الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
13
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
هذه المعاني . وفي الآية التالية يخاطب المنكرين للقرآن والمعرضين عنه ، فيقول : أفنضرب عنكم الذكر صفحا إن كنتم قوما مسرفين ؟ صحيح أنكم لم تألوا جهدا في مخالفتكم للحق وعدائه ، ووصلتم في المخالفة إلى حد الإفراط والإسراف ، إلا أن رحمة الله سبحانه واسعة بحد لا تشكل هذه الأعمال المناوئة حاجزا في طريقها ، ونظل ننزل باستمرار هذا الكتاب السماوي الذي يوقظكم ، وآياته التي تبعث الحياة فيكم ، حتى تهتز القلوب التي لها أدنى حظ من الاستعداد وتثوب إلى طريق الحق ، وهذا هو مقام رحمة الله العامة ، أي : رحمانيته التي تشمل العدو والصديق ، والمؤمن والكافر . جملة أفنضرب عنكم جاءت هنا بمعنى : أفنضرب عنكم ، لأن الراكب إذا أراد أن يحول دابته إلى طريق آخر ، فإنه يحوله بضربه بالسوط أو بشئ آخر ، ولذلك فإن كلمة الضرب تستعمل في مثل هذه الموارد بدلا من الصرف ( 1 ) . " الصفح " في الأصل بمعنى جانب الشئ وطرفه ، ويأتي أيضا بمعنى العرض والسعة ، وهو في الآية بالمعنى الأول ، أي : أنحول عنكم هذا القرآن الذي هو أساس التذكرة إلى جانب وطرف آخر ؟ " المسرف " من الإسراف ، وهو تجاوز الحد ، إشارة إلى أن المشركين وأعداء النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يقفوا عند حد في خلافهم وعدائهم مطلقا . ثم يقول في عبارة قصيرة كشاهد على ما قيل ، وتسلية لخاطر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتهديدا للمنكرين المعاندين : وكم أرسلنا من نبي في الأولين * وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون . إن هذه المخالفات وأنواع السخرية لم تكن لتمنع لطف الله ورحمته أبدا ، فإنها فيض متواصل من الأزل إلى الأبد ، ووجود يعم عطاؤه كل العباد ، بل إنه سبحانه قد
--> 1 - مجمع البيان ، ذيل الآية مورد البحث .